ابن عربي

480

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

ما وقع إلا بعلم اللّه ، وما علم اللّه إلا ما كان عليه المعلوم ، وهذا هو عين سر القدر لمن فهمه ، وكم منع الناس من كشفه لما يطرأ على النفوس الضعيفة الإيمان من ذلك ، فليس سر القدر الذي يخفى عن العالم عينه إلا اتباع العلم للمعلوم ، فلا شيء أبين منه ، ولا أقرب مع هذا البعد . [ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 17 إلى 20 ] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ( 17 ) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ( 18 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ( 19 ) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ( 20 ) [ « وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ » الآية - الحفظ الإلهي : ] جعل اللّه الإحاطة هنا بالوراء للحفظ الإلهي ، وذلك لما جعل للإنسان عينين وجعلهما في وجهه الذي هو الأمام منه والجنبات ، وجعلهما لحفظ الإنسان من الأمام والجنبات ، ولم يكن للوراء سبب يقع به الحفظ لهذا المذكور ، فحفظه اللّه بذاته ولم يجعل له سببا يحفظه به سواه ، فالإنسان من أمامه محفوظ بنفسه ، ومن خلفه محفوظ بربه ، ولو لم يكن الحق من ورائهم محيط لأخذ الإنسان من ورائه ، فأمن مما يحذره ، واعتمد على حفظه بما شاهده من أمامه ، فحصل له الأمان من أمامه غيبا وشهادة ، وحصل له الأمان من ورائه إيمانا ، فاللّه من ورائنا محيط لأنه الوجود ، فلو لم يكن من ورائنا لكان انتهاؤنا إلى العدم ، ولو وقعنا في العدم ما ظهر لنا عين ، فمن المحال وقوعنا في العدم لأنّ اللّه وهو الوجود المحض من ورائنا محيط بنا ، إليه ننتهي فيحول وجوده وإحاطته بيننا وبين العدم ، فلا يزال العدم سابحا في فلك الوجود دائما إلى غير نهاية ، إذ لا نهاية هناك ، فليس وراء اللّه مرمى لرام ، ووراء العالم اللّه فهو المنتهى وما له انتهاء ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم . [ سورة البروج ( 85 ) : آية 21 ] بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) أضرب بأداة « بَلْ » « هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ » أي جمع شريف ، فالقرآن أحق بالتعظيم من السلطان ، لأنه الكلام المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . [ سورة البروج ( 85 ) : آية 22 ] فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 )